فلسفة العقل
قبل الدخول في مضمار البحث لابدّ من أن نسلط الضوء على مفهوم العقل والفلسفه باعتبارالفلسفه ماده للعقل للوصول الى الحقائق.
فالعقل ، جاء من كلمة التعـقـّل والتي هي وضع الأشياء في سياقاتها الصحيحه ، بغض النظرعن الماديه والميتافيزيقيه التي يتكون منها العقل (أي الجزء المادي وهو الدماغ وما تجري فيه من تصورات وافكار……..غير ماديه) .
اما الفلسفه فتعني الحكمه والفيلسوف هو الرجل المحب للحكمه والحكمه هي احكام الشئ أي إتقانه ، فالعمل المحكم هوالمتقن، المتناسق والمنضبط ، فالفلسفه ،هي ملامح الفكر المتقن المبني على أسس عقلانيه والتي توصل الى ماده الحقيقه وجوهرها.فقد قال تعالى رابطا الحكمه بمفهوم العقل في محكم تنزيله ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذكر إلا أولو الألبابٍ).
فإ نّ اعظم نعم الله تعالى هي العقل وخير ما استشهد به ِ ما روي عن محمد بن علي الباقر عليهم السلام " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ ، فَأَقْبَلَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ ، فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ ، وَ لَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أُحِبُّ ، أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ ، وَ إِيَّاكَ أَنْهَى ، وَ إِيَّاكَ أُعَاقِبُ ، وَ إِيَّاكَ أُثِيبُ .
و العقل هو الحجة الباطنة التي يحتجُّ الله جَلَّ جَلالُه بها على عباده ، فقد رُوِيَ عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السَّلام ) أنه قال لهِشام : " يَا هِشَامُ : إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ ، حُجَّةً ظَاهِرَةً ، وَ حُجَّةً بَاطِنَةً ، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَئِمَّةُ ( عليهم السلام ) ، وَ أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ "
ومن هنا أود أن أدخل الى مضمار البحث من بوابة الفلسفه
اليونانيه واعتبار الفلاسفه اليونان هم أوّل من أضاف الى الفكر
الانساني الاسس السليمه والممنهجه في التفكير والمنطق ومحاكات المعطيات(العلل) من أجل الوصول الى البرهان العقلي السليم (الحقيقه، المعلول)، ابتداء بسقراط الذي كان سوفسطائي في البدء ولكنه سرعان ما إنقلب وأصبح من أشد المعارضين للسوفسطائيه ،التي تعتبر الحقيقه نسبيه ومتغيره بتغير مصلحةِ الإنسان ،ومن هنا كانت الحقيقه في منطلقاتهم
تتجه باتجاه بوصلة الرأي والاقناع وقوة الطرح(فن الكلام) وسار في خطّه
تلميذه افلاطون الى أن قوضت السوفسطائيه واصبحت مبتذله بفعل اطروحات أرسطو طاليس .
وهذا لايعني التسليم بكل ما ورد من أفكار وطرح .فهناك تفاوت وتناقض
في أطروحاتهم ، وهذا ما يناقظ اسس نظرياتهم، والتي تعتبر الحقيقه لها
جوهر واحد وليس هناك حقيقتان في موضوع واحد، وهذا يذكرني بقوله تعالى(ولو كان من عند ِ غير اللهِ لو جدوا فيه إختلافا كثيرا) وفعلا
الانسان مهما أبدع وقدم لابدّ أن تجد هنات ما في عطاءه ،هي ليست بالعيب بقدرماهي نقطه داله على أنسانيته المتطلعه الى الكمال .
ومع الاسف تجد بعض من ينسب نفسه للمعرفه او من يتحرك وفق أهواء للأنتروبولوجيا ، يمسك نقطه
او هنه كي يرسم فيها أهواءه ونزعاته بالغاء او نسف منهج معرفي
لوجود بعض الهنات التي هي سمه للمنهج المعرفي المتطوراو المتقدم
فالمعرفه في طبيعتها متحركه باتجاه التطور ، كما هي التكنلوجيا ومفردات العلوم المعاصره.
فمثلا توماس أدسن قدم نواة الفكره التي نقلت العالم من واقع الى واقع أخر
ولكن هذا لاينفي الجهود المتعاقبه للعلماء التي وضعت التكنلوجيا في خدمة
المجتمعات، وهذا بالضبط يشابه لنتاج الفلاسفه الرواد وما وضعوه من خطوط صحيحه قد تتقاطع في جزئياتها وفروعها.
وما يهمنا هو المنطق الذي سار بخطاه وغطى كل جوانب المعرفه وفق موازين الصح والخطأ في عقلانيةِ التعقل.
فمن زمن ارسطو الى زمننا هذا، منهج المنطق ثابت وهو منهج عقلي واستدلالي قد نستخدمه في مفردات محاوراتنا اليوميه ،لاثبات أمر او ضده.
ومن الفلاسفه اليونان ننطلق باتجاه الفلاسفه المسلمين الذين مع الاسف
حضو باهتمام الغرب ودرست أثارهم وكتب فيها ماكتب ، والذين هم
معيار الامه الاسلاميه وإرثها الحضاري وهم كباقي العباقره في العالم
الذين بقت اثارهم نقطه وضاءه في تاريخ الانسانيه ، لما أضافوه من معارف وفكر نير يخدم المجتمعات .
ونود في هذا البحث أنّ نمر في سماء الموسوعه الفكريه الشامله ابو نصر محمد الفارابي العملاق الضخم والمعلم الثاني للفلسفه بعد ارسطو طاليس
وهو من أوجد مفهوم الفراغ في الفيزياء، وتأثر به بقية الفلاسفه العرب
وخاصه ابن سينا وابن رشد.
ونختار رؤيته للسياسه والمدينه الفاضله ، في الحقيقه مثل هذه العقليات الضخمه تعيش في مجتمعاتها وتساير كل قضاياها ومشاكلها ، ومن المؤكد أنها تعي المسببات وتعي الحلول .
والحضاره الاسلاميه برئاسه النبي محمد (ص) بدأت إشراقاتها تتضائل
كلما ابتعدت المسافه الزمنيه عن مصدر إشعاعها الاول (النبي وجيل الرساله) .فحتى الفتوحات وغيرها في العصر الاموي والعباسي كانت
بفضل الزخم الرسالي للأوائل الذي بدأ ينحسر الى سقوط بغداد على يد
المغول.
والفارابي عاصر انحطاط الدوله العباسيه وضعف المجتمع الاسلامي وصراعاته ، وشخص الاسباب وهنا لا أود أن اقحم نظريه( ارنولد
توينبي )التي هي صحيحه في عمومياتها والتي تناولتها في بحث سابق هو (الخط البياني لحركة الحضاراة) لانها تتعامل مع الحضاره كظاهره وعوامل، بينما الفارابي يرى الحضاره روح ومن ثم مؤثرات وعوامل .
ينال فيها الجوهر الاخلاقي المتمثل بالدين السهم الأوفى، ونقطة الانطلاق ومن هنا وضع نظريته.
في من هو مؤهل لأن يكون حاكما من غير أن يصرح مباشره
وهذه النظريه هي نظريه (النبوّه) .
فهو في التفاته ذكيه يكسرفيها قدسيه السلطه الدينيه المستبده والتي تتخذ من
الدين غطاء لقمع كل حركات التطلع التي تتضارب مع نفوذها وسلطتها
التنفيذيه ، وهذا جلي في تسلط الكنيسه وما لاقاه الفلاسفه الاوائل مثل
سقراط وغاليلو، وهذا بالضبط ما جرى في الدين الاسلامي وخاصه
في العصر الاموي والعباسي .بإضفاء الصبغة الشرعيه للحاكم واعتباره واجب الطاعه والخروج
عليه بمثابة الخروج على الله . وهذه النغمه للان نجدها في عصرنا هذا
وتجد الان الخطباء يمجدون الحكام المفسدين المعاصرين ،ويمتد هذا التمجيد الى مفسدي الحكام من الاموين والعباسين من يزيد ومروان
والمعتصم و..و….
فمن يصعد كرسي الحكم في نظرهم مقدس ولو كان بطريق الدم والقهر والتسلط .
وفي عنق كل من يؤمن بالله ورسوله بيعه على الولاء والطاعه وهذا ما ترفضه الذائقه السليمه والحس الانساني المدرك، وتجد ما هو منافي للعقل ومضحك أحيانا . فمثلا لو ذهبت للشام وقصدت قبر عدي بن حاتم رحمه الله وسالتهم عن إستشهاده تسمع هذه اللغه : قتل سيدنا معاويه سيدنا عدي رضي الله عنهم (يعني للحقيقه جوهران او أكثر …). وهنا لا أقصد الاساءه الى الشامين ففيهم ما فيهم من أصحاب العقول والثقافه والمنصفين ولكن نبين العقليه السائده بفعل تأثير تلك العصور السالفه التي وضفت الدين لخدمة السلطه. مع العلم ان الفارابي
وضع النظريه بعمومياتها وليس بجزئياتها وللقارء وما يدرك ان يقف على
عمق ما تعني وهنا لاأود ان اذكر مواقف بعض ما يسمّون بالعلماء او الفقهاء الذين حاولوا أن يقفوا بالضد منها، وقد أخرجوا الفارابي وابن النفيس
بعده من دائرة الايمان ووضعوه في دائره الكفروالالحاد والزندقه وفي الحقيقه
لوقارنا احدهم بالفارابي او ابن النفيس تكون كالمقارنه بين جبل وحبة
رمل، فهاك ابن سينا كم قدم للانسانيه من معرفه في مجال الطب والفلسفه
وللان نجمه يسطع في فضاء الانسانيه الذي تفاخر به الغرب قبل العرب
فلو جمعنا رموز كل حضاره تجدها لا تتعدى المئه ولو عددنا ما اعطته الحضاره
الاسلاميه للانسانيه لم نتجاوز هذه الاسماء ، الفارابي ، وجابر ابن حيان، وابن سينا، وابن النفيس ، وابن رشد وابن خلدون ،و…… مما لايتعدى المئه من مفكرين
للان بصماتهم واضحه في سجل المعرفه.
وهنا لا أود أن اذكر أسماءهم ولعل ابن رشد كان سباقا في ذلك في كتابه
(تهافت التهافت ) الذي فيه بين ان من تناولوا اطروحات وضعوا فيها الفلاسفه
في خانة الزنادقه والملحدين هم اصلا غير مؤهلين علميا لفهم ما تناوله الفلاسفه . لإفتقارهم لأدوات الفلسفه التي تمكنهم من الاستقراء الصحيح للطرح
واطروحاتهم. ودعني افتح نافذه للقارء الكريم ، فمثلا حين يتكلم ابن النفيس
عن النفس يعتبرها منفصله عن الجسد لكونها مستمره بعد فناء الجسد والجسد هو من يحتاج لها ، وياتي اخر ويقول النفس شي ء ملاصق للجسد ولا ترتبط
بالروح ، فهنا مضامين الحديث استدلاليه لايمكن برهنتها عمليا .وترجيح كفه شخص على اخر الامن خلال قناة الاستدلال المنطقي الذي يقرب للحقيقه او يلامس جوهرها. فمثلا، صاحب الفضل في فتح افاق علم النفس والطب النفسي
الحديث هو( سيجموند فرويد) صاحب مدرسه التحليل النفسي ولكن هل نسلم
بربطه مكامن الشعور واللا شعور فقط بالجنس ؟ بالتاكيد لا وسبق ان ذكرنا
الاسباب التي تضيق الرؤيا امام الباحث وتجعل طرحه غير متكامل.
والغريب انه تجد اصحاب شهادات يأتي ليناقش هكذا جوانب وتجد العوامل الاجتماعيه والنزعه الطائفيه تلعب دورها في تفكيره ،فيقول اجد ان طرح فلان
اقرب الى العلم !!! ويسئ للشهاده والعلم بهذا الطرح
من حيث يدري او لايدري ؟ وهو لايُقدّر ان قيمة طرحه في زمن الانترنت
هي ضحله مقياسا الى اشخاص كان في زمنهم من يقرأ ويكتب يعادل شهادة
البكلوريوس في زمنا هذا. وتلاحظ اتهامه بانه رجح
اراء الوثنيه (أي اليونانين) في تحليل وتجريد الاسلام من هالتهُ القدسيه
وانه ممن ألّهوا العقل وممن جعلوا العقل مقياس لكل شئ .
وفي الحقيقه لا خلاف في ان العقل هو مقياس لكل ّ شي فبالعقل ادرك الناس
الرساله وبالعقل يعرف الله( بصفاته) وبالعقل تعبّد الله الناس ولاضير من استخدام العقل في تحليل كل ماهو موجود ويخضع الى ادراكاته والعقل
لايقف عند حدود وخاصه بما يرتبط بعالم الماده وحتى الدين يقاس ولكن ليس في الظاهر (ولعلي اخصص لذالك بحث في المستقبل)، نعم هناك امور مثل الروح والذات المقدسه للباري تعالى (مجازا) يقف عاجزا عندها العقل وهذا شيء
وجيه لان الفلسفه ترابط منطقي وفق مقايس المنطق لتناول البرهان من اجل الوصول للغايه وغايه ما يدركه العقل انّ هذا النظام له مبدع عظيم
بناه بماهو يدل على صفاته من عظمه وقدره ….و…..و…
ودعنا نقرب الصوره اكثر فلو وقف شخص وتامل مثلا الشجره سوف يربط وجودها بقوى الطبيعه او قوى الانسان وقوى الطبيعه والانسان بوجود الماده ووجود الماده بوجود الله ويقف عاجزا……..
في دائره الحيره وما ورد عن الانبياء والرسل ان التفكر في ذات الله
لايفضي لشئ. بل التفكر في الصفات هو شئ يفضي بالانسان الى المعرفه
ودعني أخذ عينه من هذه النماذج التي وقفت وكفّرت الفارابي مضطرا كي ابين للقارء عطاء مثل هذه العقليات الميته
ومنهم ابن تيميه ،وهاك ارث ما أضاف هذا الرجل الى الاسلام من عطاءات تبدء بأسامه بن لادن و المفخخات التي تزرع الموت في كل مكان باسم الاسلام والدين .والله العالم فيما تنتهي .
في الواقع جزّء الفلاسفة العقل البشري الى أجزاء معتمدين على منطق الية
التفكير والتصور والاحساس وهذا ليس بالشئ الخاطئ وان كان ميتافيزيقي
فا لمخيله والتصورات وآليه التفكير تدرك ولاتحس ، وهاهو العلم الحديث لا ينكر الآن العقل الباطن وما فيه من أسرار، الكل يتفق مع فرويد في إطاره ولكن يختلف معه في ماهو محتواه .
وانا في نظري اجمع ما بين رؤية فرويد والفلاسفه في جزئيات والجزئيات الاخرى هي تحليليه ميتافيزيقيه في علم الله لكن ممكن للعقل من الوقوف على مافي محاورها واستنطاقه ، مقتربا من خيوط الحقائق او محاكيا لها.
وهذا هو ما أراده الفارابي ، فالرجل وجد ان الفلسفه معنيه بمثل هذه الأسئله
التي تحدث في داخل أي انسان من بوابة العلم بالموجودات بما هي موجوده
فعلا.
فهي مختصه بالنظر في ماهيات الموجودات من خلال تتبع مساراتها، وصولا إلى الإمساك بجذورها أو ما اعتبره أرسطو عللها ومبادئها الأولى.
معتبرا ان العقل عند الجميع حجّة، ولأجل أنّ ذا العقل ربّما يخيّل إليه الشيء بعد الشيء، على خلاف ما هو عليه، من جهة تشابه العلامات المستدلّ بها على حال الشيء، اُحتيج إلى اجتماع عقول كثيرة مختلفة، فمهما اجتمعت فلا حجّة أقوى، ولا يقين أحكم من ذلك.)، فإذا تضاربت الآراء، ثم استقرّت على نتيجـــة ما، فإنّ ذلك يكون أصوب، وبالتالي يكون أساس الاجتهاد مكينا إذا ما تعدّدت مصادره.
ولا يعني هذا أنّ الاجتماع على رأي واحد يكون صائبا في كلّ الحالات، إذ ينبّه إلى إمكانية استناد ذلك إلى تقليد شخص بعينه، له نفوذه على البقية، فـ "لا يغرنّك وجود أناس كثيرة على آراء مدخولة، فإنّ الجماعة المقلّدين لرأي واحد، المدّعين لإمام يؤمّهم فيما اجتمعوا عليه، بمنزلة عقل واحد "
فالفارابي يقسم العقل الى أجزاء الجز الاول هو القوه الناطقه (العقل بالقوه) ويعني ما تعقله الفطره التي جَبَل الله عليها الانسان . ومن اوّل النقاط الداله عليه هي ادراك الرضيع لعملية الرضاعه، و بواسطته ترتسم وتنطبع المعارف المختلفة، وهي متعددة وكثيره بتعدّد البشر فـ"العقل الذي هو بالقوة هو نفس أو جزء نفس أو قوّة من قوى النفس أو شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن تنزع ماهيات الموجودات كلها، وصورها دون موادها، فتجعلها كلّها صورة لهـا أو صورا لها، وتلك الصور المنتزعة عن الموادّ ليست تصير منتزعة عن موادها التي فيها وجودها إلا بأن تصير صورا لهذه الذات، وتلك الصور المنتزعة عن موادها الصائرة صورا في هذه الذات هي المعقولات، وأشتقّ لها هذا الاسم من اسم تلك الذات التي انتزعت صور الموجودات فصارت صورا لها"، وبهذا العقل يكتسب الإنسان العلـوم والصناعات.
ودعني ابسط الصوره للقارئ الكريم فمثلا لو فكر شخص باشخاص ورسم لهم مواقف وافعال في خياله ،هو اخذ ماهيات الاشخاص من وجودها الاصلي وجعلها ماده لتفكيره فرسم لهم ادوار وافعال هي في فكره فقط
وهذا ما يميز الانسان عن الحيوان فالانسان يختزن التجربه ويدركها بصوره تامه( بينما الحيوان تنعدم فيه هذه القدره او تقل نسبتها ) او يسترجع صورها في ذهنه وهذه هي المعقولات . والذي يليه هو العقل بالفعل
فيعني لديه حصول المعقولات في العقل بالقوّة، مما يُحوّله إلى عقل بالفعل، فالعقل بالقوة عندما يُدرك المعقولات يكون قد وصل إلى أعلى استكمالاته فيصبح عقلا بالفعل، فـ"هذا العقل قد يكون بالقوّة عندما لا تكون هذه الأوائل حاصلة فيه، فإذا حصلت له صار عقلا بالفعل، وقوي استعداده لاستنباط ما بقي"(أمّا العقل المستفاد فله قدرة إدراك ذاته بذاته، كما يدرك ماهيات الأشياء، أي إنّه يعقلها، وهو يتّصف بطابع التجريد، فـ"العقل بالفعل متى عقل المعقولات التي هي صور له من حيث هي معقولة بالفعل، صار العقل الذي كنا نقول أوّلا إنّه العقل بالفعل هو الآن العقل المستفاد "
ودعني أقرب الصوره للقارئ ايضا فمثلا لوقلت (انا) فإنك أدركت ذاتك، عمليه الادراك لذاتك
نعبر عنها بالعقل المنفعل أي بفعل ادراكك أدركت وجودك ، طبعا وهذا وجه الفكره التي انطلق
منها ديكارت في مقولته ( بما اني افكر اذن انا موجود) ، بينما المستفاد هو ادراك عقلانية المعقول ودعني اضرب مثال لو سار شخص في طريق فيه حفره تلاحظ تلقائيا الشخص يبتعد عن الحفره لكي لايقع فيها لانه إستفاد من ملاحظاته أوتجاربه السابقه .بينما لو كان طفل حديث السير او شخص متخلف عقليا سوف لايدرك ذلك أي ان العقل المستفاد فيه عطّل او غير ناضج كما في مثال الطفل .
ولايفوتني ما أشاره الفارابي لحالة الجنون وكيف ان الشخص ممكن يتعرض لظروف وضغوط
من الممكن ان تفسد مخيّلته مما يجعل القوه المتخيله تركب صور للأشياء هي بعيده عنها
وهذا ما اتذكر قد تطرقت اليه في بحث سابق وقد قسمت العقل الى قسم باطن فيه صور وافعال الاشياء محفوظه إضافه الى طاقات كامنه اخرى وقسم ظاهر هو بمثابة الفلتر الذي يمنطق الاشياء ويجعلها بصور المعقولات
وهذا لا يتناقظ مع الطرح الحالي سوى في الاقسام(التصنيف) التي هي تعبير عن اليه التعقل عند الانسان
والتي تبقى مثار جدل.
فما هي الاسرار الفعليه الكامنه في منظومة العقل وهل للعقل ارتباط
بجوهر الروح الجزء الميتافيزيقي الذي هو من ملكوت العالم العلوي ؟؟
وأسئله واسئله لايمكن جمعها في بحث صغير كهذا.
ويلي هذه العقول العقل الفعال والذي يعبر
عنه الفارابي بمحطه الاتصال بقنواة العالم الاعلى او الارتباط بجبرائيل او الروح الأمين (ويعني حزء من القوى التي يدير بها الله الكون).
فالفارابي يرى انه يمكن للإنسان ان يكون نبيا في شرط أن تكون مخيلته قويه تستطيع ان ترتبط
بالعقل الفعال فيكون الوحي عن طريق العقل الفعال ومن ثم المستفاد ومن ثم المنفعل ومن ثم الى مخيلته، وبودي ان اعود الى تناول الفارابي لهذه القضيه بعمومها دون جزئياتها في حاله كون النبي (اصبح نبي) أي انه تم اصطفاءه لملكه قدسيه جعلته مؤهلا لدور النبوه او الرساله
وهذا لايعني انه يمكن لاي شخص ان يكون نبي وهذا ما حملو ا به على الفارابي في جعل النبوه
شئ عادي يمكن لاي شخص ان يكون نبي كما ان الية الارتباط بالعقل الفعال هي في علم الله
وفي إرادته ولا أعتقد ان للنبي القدره الذاتيه بالارتباط بالفيظ الإلهي وانما هي مقيده بمشيئة الباري عزّ وجل وهذا ما ثبته القران الكريم اذ يقول تعالى(ورسلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) النساء:16، و أيضا(عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصَدا[ الجن: 26- ط27.وهذه الايه الكريمه في سورة الجن فيها اشاره قويه وسورة الجن بصوره عامه فيها دوال لتلك المضامين، حيث يقول تعالى عن لسان الجن(انا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا)
أي ان السماء فيها حرس(نظام حمايه) شديد وكلما اراد الجن ان يستمع ( يرتبط بالعقل الفعال وفق ما عنده من خصائص) يلاقي شهابا رصدا ، ومن وجه نظر اعتقد ان الشهب لاتمارس دور القذيفه كما هو في الماديات ولكن لها دور لاندركه في التشويش على مثل تلك القابليات التي يمتلكها الجن (والله اعلم).
وفي مقال سابق أشرت الى بعض من كانوا متنبئين ومنهم( نوستر أداموس ) وغيره ممن أنبأو ا في اشياء حصلت وهم ليس بأنبياء ولكن في اعتقادي ان لهم مخيله قويه (عقل باطن) تحدت انبثاقات
يستشفون منها وقائع تحدث قبل أوانها، فالمعروف أن الله تعالى لديه علم ما كان وما يكون ، وما هو في اللوح وما هو في ام الكتاب …….،…،
وكل الحوادث والأقدار مثبته في علمه ، وما يفصلنا عن المستقبل غير داله الزمن التي هي من اعقد المسائل النظريه ، وما يهمني هو انه يمكن للعقل الباطن ان يخترق داله الزمن من بوابة المخيّله القويه فتنبثق منها صور لأحداث تحدث في المستقبل، وهذا ما كان يشير اليه (اداموس)
في حديثه أي انه يتامل وينقطع في التامل فتنبثق عليه صورمن المستقبل لانباء كثير منها وقعت حرفيه وهكذا الانبياء ، الذين نقدر ان نقرب الصوره فنقول أشخاص لهم قدره على استلام بث الوحي ، نتيجة مؤهل روحي وقوة مخيله ، أي هم مثل البشر في التكوين ولكن الفرق امتلاكهم
جهاز استقبال للوحي(على وجه التقريب) وهذا ما اكدة القران الكريم في قوله تعالى(قل انما انا بشر مثلكم انما يوحى الي). ففي حديث عائشه عن النبي (ص) تقول كان يرى
الوحي في المنام قبل البعثه ، وهذا ماروي عن مصادر كثيره ، فالنبي كان كثير الانقطاع والتأمل
والتفكر مما جعله (مخيلته وعقله) مهيئه لاستقبال الوحي اضافه لخصائص جمّه اخرى تميزبها .
إذن يتلقّى النبي حقائقه عن طريق الوحي، فهو يرتبط بالإله عبر وسيط هو جبريل( العقل الفعّال / الروح الأمين)، وتؤدّي هنا المخيّلة وظيفتها من حيث كونها تجعله يرى ما يوحى إليه كما لو كان ماثلا فعلا أمامه، وما يتلقّاه النبيّ وحيا يقوم بترجمته حسيا للجمهور لكي يتناسب مع ذهنه، كما ذكرناه سابقا، فيقبله دون ارتياب، مستعملا سحر البيان فالنبيّ يخاطب الناس حسب ما يفهمون (خاطب الناس بما يفهمون(، والشخص الذي حلّ فيه العقل الفعال بواسطة المتخيّلة هو الذي نسمّيه نبيّا.
والفارابي جوز للفيلسوف ان يرتبط بالعقل الفعال ولايمكن الارتباط بالعقل الفعال الا بجعل
العقل بالفعل ماده العقل المنفعل والمنفعل مادة العقل المستفاد والمستفاد مادة العقل الفعال
فهذا يعني ان الفيلسوف يصل الى الحقائق بواسطة البرهان والدليل العقلي مع الفيض لا عن طريق الخيال فقط .
فوظيفة المخيله هي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ